Home Ads

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

 

جند الله تعالى في بدر

حصل في ليلة بدر أمران في غاية الأهمية غير النزول في مكان بدر:

أولاً: النعاس الذي غلب المسلمين في ليلة بدر بعدما وصلوا وعسكروا في المكان.

ثانياً: المطر الذي نزل في نفس الليلة.

وأما نزول الملائكة فكان خلال المعركة.

من المِنَنِ الَّتي منَّ الله بها على عباده المؤمنين يوم بدرٍ: أنَّه أنزل عليهم النُّعَاسَ، والمطر، وذلك قبل أن يلتحموا مع أعدائهم، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيْكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوْبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾. (الأنفال: 11 ).

وعن عليٍّ t قال: ما كان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المِقْدَاد على فرسٍ أَبْلَقَ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسول الله r تحت شجرةٍ يُصلِّي، ويبكي حتَّى أصبح.

 

النعاس:

       أولا: ألقى الله عليهم النعاس في الليلة التي كان القتال في صبيحتها، وكان هذا النعاس عجبًا في ليلة ينتظرون القتال في صبيحتها ولكن الله ربط جأشهم، ولذلك أمتن عليهم ونزلت الآية تذكرهم بهذه النعمة .

فالنعاس كان أمره عجيباً، كان المسلمون على بعد خطوات من الجيش المكي الكبير، ومع ذلك يصلون إلى حالة من السكينة وهدوء الأعصاب، فينامون بأمان تام في أرض بدر، ومعلوم أن الشخص لما يكون منشغلاً بشيء مهم لا يستطيع أن ينام بمنتهى الأمان وهو في وسط بيته، فما بالك بشخص نائم في أرض المعركة وهو منشغل بها، فمن الممكن أن تكون نهايته فيها؟ لكنه هدوء أعصاب عجيب، لا يفكر في عدد الأعداء، ولا يفكر في طريقة القتال، ولا يفكر في سيناريو المعركة، ولا يفكر في أولاده وزوجته، ولا يفكر في تجارته ولا حتى في نفسه، بل نائم في منتهى الراحة، ففي هذه الليلة نام الجميع إلا النبي r، ظل طوال الليلة يصلي ويدعو الله عز وجل أن ينصر هذا الجيش المؤمن.

لقد مضت سنة الله في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولا كثيرًا ومصابًا عظيمًا، فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه فيصبح خاملاً ضعيفًا. وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك، إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا، فكان من مقتضى العادة ألا يناموا، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس الذي غشيهم فناموا، واثقين بالله مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه – فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب إلى قبلها.

على الناحية الثانية كان جيش مكة حيران لا يعرف النوم، فغداً موقعة مرعبة بالنسبة لهم، بالإضافة إلى أنه ليس مقتنعاً بالحرب أصلاً، وعلى ماذا يحارب، من أجل هبل واللات والعزى، أم من أجل القائد الزعيم أبي جهل، أم من أجل القافلة؟ فالقافلة قد تجاوزت الخطر، وأبو سفيان عبر بها إلى بر الأمان فعلام القتال؟ فقد يموت المشرك غداً، أو يصبح أسيراً أو جريحاً أو هارباً ومطارداً، فيا لها من نفسية مضطربة مريضة )وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ((الحج:٣١).

المطر:

       ثانيا: أنزل الله على المؤمنين مطرا من السماء ليطهرهم به من الحدثين: الأصغر والأكبر، فإن المؤمن – كما يقول الإمام الرازي – يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنباً، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب. وهذا تطهير حسي .

       وليذهب عنهم رجز الشيطان ووسوسته لهم وتخويفه إياهم من العطش عند فقدهم الماء وإلقاؤه في نفوسهم الظنون والأوهام.. وهذا هو التطهير الباطني.

       وليربط على قلوبهم ويقويها بالثقة في نصر الله ويبعث فيها الطمأنينة فإن وجود الماء في حوزتهم يزيدهم قوة على قوتهم وثباتًا على ثباتهم .

       وليثبت به أقدامهم، فقد أصلح الله بالمطر الأرض تحت أقدامهم فصار مشيهم عليها سهلاً ميسورًا بعدما كانت أقدامهم تسيخ في الرمال وكان سيرهم عليها شاقًا وعسيرًا .

كذلك المطر في ليلة بدر كان عجيباً جداً، فمنطقة بدر كلها عبارة عن واد صغير، فسحابة واحدة صغيرة قد تغطي الوادي كله، فنزول المطر في ليلة بدر على أرض بدر فقط غريب جداً، فقد نزل هيناً لطيفاً خفيفاً على المسلمين ونزل وابلاً شديداً معوقاً على الكافرين، شرب المسلمون واغتسلوا وتماسك الرمل في معسكرهم تحت الأقدام، فثبتت الأقدام، وذهبت عنهم وساوس الشيطان، وقد جاء الشيطان إلى بعضهم بسبب الجنابة وقلة الماء وقال لهمكيف ستصلون؟ كذلك آية التيمم لم تكن قد نزلت بعد، فقال الله عز وجل) :وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ(الأنفال:١١(.

وفي امتنان الله عليهم بالنَّوم في هذه الليلة وجهانِ:

أحدهما: أنْ قوَّاهم بالاستراحة على القتال من الغد.

الثَّاني: أنْ أمَّنهم بزوال الرُّعب من قلوبهم، كما يقال: الأمن مُنِيمٌ، والخوفُ مُسْهِرٌ.

وبيَّن - سبحانه وتعالى -: أنَّه أكرم المؤمنين بإنزال المطر عليهم، في وقتٍ لم يكن المعتاد فيه نزول الأمطار، وذلك فضلاً منه، وكرماً، وإسناد هذا الإنزال إلى الله للتَّنبيه على أنَّه أكرمهم به.

وقوله تعالى: فقد روى ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ جريرٍ عن ابن عباس قال: «نزل النَّبي r - يعني حين سار إلى بدرٍ - والمسلمون بينهم وبين الماء رملةٌ دِعْصَةٌ - أي كثيرةٌ مجتمعةٌ - فأصاب المسلمين ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشَّيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم: (تزعمون: أنَّكم أولياء الله، وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مُجْنِبينَ)، فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون، وتطهَّروا، وأذهب الله عنهم رجز الشَّيطان، وثبت الرَّمل حين أصابه المطر، ومشى النَّاس عليه، والدَّواب، فساروا إلى القوم».(الرازي، 1999، 15/133)

فقد بيَّن - سبحانه -: أنَّه أنزل على عباده المؤمنين المطر قبل المعركة، فتطهَّروا به حسِّيّاً، ومعنويّاً؛ إذ ربط الله به على قلوبهم، وثبَّت به أقدامهم؛ وذلك: أنَّ النَّاظر في منطقة بدر يجد في المنطقة رمالاً متحرِّكةً لا زالت حتَّى اليوم، ومن العسير المشي عليها، ولها غبارٌ كبيرٌ، فلـمَّا نزلت الأمطار تماسكت تلك الرِّمال، وسَهُل السَّير عليها، وانطفأ غبارها، وكلُّ ذلك كان نعمةً من الله على عباده.(الطبري، 1980، 9/195)

ابتكر الرَّسول r في قتاله مع المشركين يوم بدرٍ أسلوباً جديداً في مقاتلة أعداء الله تعالى، لم يكن معروفاً من قبل؛ حيث قاتل r بنظام الصُّفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ (الصف: 4) .

وصفة هذا الأسلوب: أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصَّلاة، وتقلُّ هذه الصُّفوف، أو تكثر تَبَعاً لقلة المقاتلين، أو كثرتهم، وتكون الصُّفوف الأولى من أصحاب الرِّماح؛ لصدِّ هجمات الفُرْسان، وتكون الصُّفوف الَّتي خلفها من أصحاب النِّبال؛ لتسديدها من المهاجمين على الأعداء.

أما الكفار فقد أحدث المطر مخاضة كبيرة عندهم، منعت التقدم وأعاقت الحركة، وليس لأحد طاقة بحرب الله U.

 

 إنزال الملائكة:

         روى الإمام مسلم عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال: كان يوم بدر نظر رسول الله r إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله القبلة، ثم مد يده فجعل يهتف بربه ويقول: اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم انجز لي ما وعدتني، الله إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادًا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبي الله!! كفاك مناشدتك ربك. فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله U : ﴿إِذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِيْنَ﴾ ( الأنفال:9 ( فأمده الله بالملائكة ….

وقد وردت آثار متعددة توضح ما اشتملت عليه هذه الآية الجليلة من نعم عظيمة، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: نزل النبي r يعني حين سار إلى بدر – والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة – أي كثيرة مجتمعة – فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس بينهم؛ تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم.

وعن عروة بن الزبير قال: بعث الله السَّماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله r وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه

       ومن هذا القول المنقول عن عروة t نجد أن المطر كان خيرا للمسلمين وشرا على المشركين، لأن المسلمين كانوا على أرض يصلحها المطر وكان المشركون على أرض يفسدها المطر ويؤذيهم فيها. فضلاً أنَّ الله منَّ بالمطر على المؤمنين، وجعله نكالاً ووبالاً على المشركين .

أمد الله المسلمين بالملائكة، وأوحى إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا، وجعل ذلك بشرى النصر والظفر للمؤمنين، وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم .

       وقد ذكرت الآيات الكريمة هذه النعمة العظيمة في قول الله تعالى :

       ﴿إِذْ يُوْحِىْ رَبُّكَ إلَى المَلاَئِكَةِ أَنِّىْ مَعَكُمْ فَثَبِّتُوْا الَّذِيْنَ آمَنُوْا سَأُلْقِىْ فِي قُلُوْبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوْا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوْا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوْا اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَابِ﴾ ( الأنفال: 12 ).

لقد كان إمداد الله للمؤمنين بالملائكة وإخبارهم بذلك من أعظم بشريات الله لهم في هذه المعركة التي يصطدم فيها جماعة صغيرة من المؤمنين بأضعافهم من المشركين، وكان لهذه البشرى أثرها في اطمئنان المؤمنين وثقتهم في نصر الله لهم .

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرٰى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوْبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ﴾. (آل عمران: 126 .(

وبعد هزيمة المشركين في بدر وصلت أخبارها الفاجعة لأهل مكة وعرف بها أبو لهب وكبته الله وأخزاه وكان قد تخلف عن بدر، ولما وصل أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إلى مكة قال له أبو لهب: هلم إليّ، فعندك لعمري الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم اكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء

هذه شهادة فارس من أجود فرسان مكة وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يحكي ما فعله الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم والذي شل حركتهم حين رأوا بأعينهم ما رأوا فمنحوا أكتافهم للمسلمين يأسرون منهم ويقتلون كيف شاءوا .

وليس في شهادته أن غير المسلمين كانوا يقتلون أو يأسرون، مع أنه كان قادرًا أن يعتذر لنفسه وقومه بمثل هذا القول لو أن لديه أدنى توهم لذلك .

 

مهمة الملائكة:

هناك تساؤل عن وظيفة الملائكة في بدر، أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب؟ أم أنهم بجانب ذلك قاتلوا فعلاً معهم في هذه المعركة؟.

       ويرى بعض العلماء أن الملائكة قاتلوا فعلاً مع المؤمنين ويستدلون على ذلك بأدلة منها :

Ø      ما جاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلاً يقول: أقدم حيزوم. فخر المشرك مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم وشق وجهه، فجاء وحدث رسول الله r فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .

Ø      وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمعه ولا نرى شخصا؟ فقال : من الملائكة. فقال له أبو جهل: هم إذن هزمونا لا أنتم.

Ø      قال القرطبي: وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد بن مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب – أي الطريق في الجبل – الذي خرجت منه الملائكة. لا أشك ولا أماري .

Ø      وعن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر إن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه(5).

       هذه أهم الروايات التي استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قاتلوا مع المؤمنين في يوم بدر، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبي، فهو يرى أن هذا هو الصحيح وإنه رأي الجمهور .

 

مع الرأي الآخر

       أما الفريق الآخر من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين في المعركة، وتقوية أرواحهم وقلوبهم واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها :

v      انه ليس في الآيات القرآنية التي تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة في أن الملائكة قد قاتلت بالفعل، وإنما الآيات صريحة في أن الله – تعالى – قد أمد المؤمنين بالملائكة وجعل هذا الإمداد بشارة لهم .

v      إن بعض الآيات القرآنية التي تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة توضيحًا تامًا، ومن ذلك قوله – تعالى – :

       ﴿إِذْ يُوْحِيْ رَبُّكَ إِلَى المَلاَئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوْا الَّذِيْنَ آمَنُوا سَأُلْقِيْ فِيْ قُلُوْبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا الرُّعْبَ﴾. (الأنفال: 12 ).

       قال ابن جرير في معنى: ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ قووا عزمهم وصححوا نياتهم في قتال أعدائهم من المشركين .

       وقال الفخر الرازي: واختلفوا في كيفية التثبيت على وجوه :

الأول: انهم عرفوا الرسول r أن الله ناصر المؤمنين، والرسول عرف المؤمنين ذلك. فهذا هو التثبيت .

الثاني: أن الشيطان كان يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه. فهذا هو التثبيت في هذا الباب .

الثالث: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر

v     أما قوله – تعالى – :

       ﴿فَاضْرِبُوْا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوْا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ سورة الأنفال – آية : 12 .

       قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف. أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل

       وقال الفخر الرازي: «فاضربوا فوق الأعناق» فيه وجهان : الأول إنه أمر للملائكة متصل بقوله – تعالى – : ﴿فثبتوا﴾ .

       والثاني قيل: بل للمؤمنين وهذا هو الأصح لما بينا أنه – تعالى – ما أنزل الملائكة من أجل المقاتلة والمحاربة(8).

v     ان الروايات التي استند إليها من قال إن الملائكة قاتلت مع المؤمنين في بدر لم ترد في كتب السنة المعتمدة، بل لم يذكر معظمها الإمام ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات في تفسيره. وفضلا عن ذلك فإن أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت .

       فرواية ابن عباس جاءت عن رجل مبهم لم يذكر اسمه وابن عباس كان صغيرا لم يحضر بدرا فحديثه مرسل ذكره الألوسي وغيره بغير سند، وكل روايات ابن عباس عن غزوة بدر مرسلة ولو جاءت في كتب الصحيح من الحديث .

       وما رواه ابن مسعود من قول أبي جهل: هم إذن غلبونا لا أنتم. فهو من باب الاعتذار عن هزيمتهم والتهوين من شأن المؤمنين وأنهم ليسوا أهلا لهزيمة جيش المشركين وقتل أمثاله من الجبابرة والطغاة.

       ورواية أسيد بن مالك وكذلك رواية سهيل بن حنيف ليس في إحداهما تصريح بأن الملائكة قاتلوا مع المؤمنين أو أن المشرك الذي أراد سهيل قتله سبقه الملك إليه وقتله .

v  واستبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة في القتال، ومن هؤلاء العلماء الإمام أبوبكر الأصم فقد قال

«إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر – وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة – فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ بل أي حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم».

       ففي المبارزة – أول قتال في المعركة – خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وأخرج لهم رسول الله r أكفاءهم؛ عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي ابن أبي طالب، فقتل حمزة شيبة وقتل علي الوليد أما عبيدة فقد اثخن عتبة وأصابه عتبة فقطع رجله، وكر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة الذي مات بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر، فأين الملائكة وقتالهم في أول لقاء بين المؤمنين والمشركين، ولماذا تركوا المبارزة ولم يتدخلوا لإنقاذ عبيدة من عتبة ؟!!.

       وأبو جهل – فرعون هذه الأمة – … عنه رسول الله r كان يحيط به مجموعة من المقاتلين بالسيوف والرماح ويصنعون حوله سياجا كفروع الشجرة الكثيفة، ومع ذلك لم يخطفه ملك وينكل به أمام المسلمين والمشركين ليكون ذلك حاسمًا في سير المعركة .

       ولكن أبا جهل خلص إليه شابان من شباب الإسلام هما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء فابتدراه بسيفيهما حتى ظنا أنهما قتلاه وقد أصيب معاذ بن عفراء في المعركة واستشهد فيها. ولما انتهت المعركة قال رسول الله r: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود t وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وقطع رأسه، وروى عبد الله أن أبا جهل قال له حين علا بقدمه على صدره: لقد أرتقيت مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم!! فهل كانت الملائكة تقاتل بعيدًا عن أبي جهل قائد المعركة وتتركه لشابين حديثي السن يصاب أحدهما وتقطع يده بضربة سيف من عكرمة بن أبي جهل .

       ثم تركت الملائكة أبا جهل وفيه رمق من الحياة إلى ما بعد انتهاء المعركة لولا قول رسول الله – ﷺ – : من ينظر ما صنع أبو جهل. ووصول ابن مسعود إليه وجز رأسه .

v     وأمية بن خلف الذي كان يعذب بلالا في مكة – أجاره عبد الرحمن بن عوف ولكن بلالا رآه فصرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله. رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، فأحاطوا به، ورغم دفاع عبد الرحمن بن عوف عنه واعتباره أسيره فقد أصابوه وقتلوه، ولم يخف ملك لمساعدة بلال وقتل الطاغية أمية بن خلف حتى قتله المسلمون .

 

عبر ودروس:

Ø    النصرة الإلهية لمجاهدي معركة بدر: يبيّن الله تعالى في هذه الآية نصره لمجاهدي بدر بتقوية قلوبهم، وبما أمدّهم به من الملائكة، وبإلقاء الرُّعب في قلوب أعدائهم.

Ø    انتصار المسلمين في معركة بدر برغم قلّة الإمكانات: جملة ﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ تشير إلى امتلاك عِدّة وعُدّة أقلّ من العدوّ، وعدم امتلاك القدرة على المقاومة في وجه العدو3، حيث كان المسلمون يعدّون في معركة بدر ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً (مع القليل من العِدّة)، وكان المشركون نحواً من ألف رجل (مع الكثير من العِدَّة) ، ورغم ذلك فقد نصرهم الله على أعدائهم.

Ø    التوكّل على الله سبب إنزال النصرة الإلهية في معركة بدر: جملة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ﴾، تدلّ على أنّ عامل الانتصار ببدر هو التوكّل على الله.

Ø    سبق التقوى موجب لنيل المجاهدين النصر الإلهي: تفريع جملة ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ﴾ على بيان النصرة الإلهية في معركة بدر، أي جملة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ﴾، بيان لسبب استحقاق المؤمنين لها، كما أنَّها تبيّن أنّ تقوى المسلمين في معركة بدر كانت السبب في جلب النصرة الإلهية لهم وانتصارهم فيها.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾. في هذه الآية يُذَكِّر الله عزَّ وجلّ مجاهدي معركة بدر ببعض نعمه وإمداداته الغيبية.

Ø    غلبة النعاس على المجاهدين قبل المعركة مددٌ غيبي: الضمير في "منه" عائد على الله، ومعنى الآية: أنّ النصر، والإمداد بالبُشرى، واطمئنان القلوب، (المشار إليه في الآية السابقة)، كان في وقت أخذكم النعاس، -بسبب الأمن الذي أفاضه الله على قلوبكم-، فأصابكم النعاس وهو أول النوم وهو خفيفه8، ولو كنتم خائفين مرتاعين لم يأخذكم نعاسٌ.

Ø    إن معركة بدر قد أيد الله فيها أولياءه بقيادة رسول الله المصطفى محمد r وأمدهم بالملائكة يثبتونهم ويقوون عزائمهم في القتال، وألقى في قلوب الذين كفروا الرعب.

Ø    وعلم المؤمنين كيف يقاتلون أولياء الشيطان ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون

Ø    إنها معركة نصر الله فيها الحق وجنده وأزهق فيها الباطل وأهله.

Ø    تأثير السِنه والاستراحة على أداء المقاتلين: من نتائج نعاس المجاهدين في معركة بدر، أن قوّاهم الله، - بواسطة هذه الاستراحة، على قتال العدو، فإفاضة الله النعاس على قلوبكم هو من الأمن، والاطمئنان الذي أنزله الله عليكم، (وهذا بالطبع يرتب آثاره التكوينية الخارجية على صعيد المعركة)، ولو كنتم خائفين مرعوبين لم يأخذكم نعاس ولا نوم.

Ø    دور العناصر الجوية والطبيعية في القتال: لا يجب اعتبار العوامل الطبيعية مثل المطر، النعاس و... أموراً من قبيل الصدفة، فالآثار المتعدّدة لنزول المطر،- التي ذُكِرَت في الآية -، حاكية عن تأثير العوامل الجوية في مصير المعركة، مما يعني أن الله قد يسخّر قانوناً عاماً موجوداً في الطبيعة، يستفيد منه البر والفاجر، ضد أعدائهم الذين كانوا يستفيدون منه قبل ذلك، أي أن عناصر الطبيعة كالمطر، وأرض المعركة، والحالات الجسدية كالنعاس، والنفسية كالاطمنان وغيرها من الممكن أن تكون من عوامل النصر إلى جانب المؤمنين عندما يكون قتالهم في سبيل الله، ولإعلاء كلمة التوحيد.

Ø    لزوم استحضار الإمدادات الغيبية: من الممكن أن يكون العامل في جملة ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾، فعل محذوف وهو (اذكروا). ففي هذه الحالة يوصي الله تعالى المؤمنين بذكر العوامل التي أدت إلى الإمدادات الغيبية، فساهمت في انتصار المؤمنين في معركة بدر، وأهم هذه العوامل هي الإخلاص والقتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق.

Ø    إرهاب الأعداء، وفيه دلالةٌ على حسن وترتيب النِّظام عند المسلمين.

Ø    جعل في يد القائد الأعلى r قوَّة احتياطيَّة، عالج بها المواقف المفاجئة في صدِّ هجومٍ معاكس، أو ضرب كمينٍ غير متوقَّعٍ، واستفاد منه في حماية الأجنحة من خطر المشاة، والفُرْسان، ويعد تطبيق هذا الأسلوب لأوَّل مرَّةٍ في غزوة بدرٍ سبقاً عسكريّاً، تميَّزت به المدرسة العسكريَّة الإسلاميَّة على غيرها منذ أربعةَ عَشَرَ قرناً من الزَّمان.

Ø    ويظهر للباحث في السِّيرة النَّبويَّة: أنَّ النَّبيَّ r كان يباغت خصومه ببعض الأساليب القتالية الجديدة، وخاصَّةً تلك الَّتي لم يعهدْها العرب من قبل، على نحو ما قام به النَّبيُّ r في يوم بدرٍ، وأُحدٍ، وغيرهما.

Ø    ومن جهة النَّظرة العسكرية فإنَّ هذه الأساليب تدعو إلى الإعجاب بشخصيَّة النَّبيِّ r، وبراعته العسكريَّة؛ لأنَّ التَّعليمات العسكريَّة الَّتي كان يصدرها خلال تطبيقه لها، تطابق تماماً الأصول الحديثة في استخدام الأسلحة.

Ø    نزول المطر قبل معركة بدر إمداد غيبي: المراد من "الماء" المطر، فمن النعم والإمدادات الإلهية على مجاهدي بدر، نزول الأمطار، لأنّ المشركين سبقوا إلى موضع الماء، (واستولوا على الآبار، وهذا له آثار متعدّدة في أرض المعركة، فنزول المطر أفشل عملية ترتب هذه الآثار على المسلمين)، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ يعني أن علة سقوط المطر هي لأجل دعم المسلمين بأمور متعدّدة أهمها:

§       تطهير مجاهدي بدر: إنّ عدم ذكر "متعلّق" الفعل "يُطَهِّرَكُم"، إشارة إلى عمومية هذا المتعلّق للنجاسات الظاهرة والباطنة12، فمن النجاسات الظاهرية: الطهارة من الحدث، والجنابة التي أصابت بعضهم. ومن النجاسات الباطنية دفع وسوسة الشيطان، والرجز هو الرجس والقذارة، والمراد برجز الشيطان: القذارة التي طرأت على قلوب المقاتلين من وسوسته، فبعد استيلاء المشركين على آبار بدر، استغلّ الشيطان قلّة الماء للوسوسة وتخويف المجاهدين، فعدّ الله دفع هذه الوساوس من أهداف إنزال المطر، وإفشال مخطط المشركين ومخطط إبليس.

§       ب - تشجيع وتقوية روحية مجاهدي بدر: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ وهو كناية عن التشجيع. وعليه يكون معنى الآية: ليشدَّ على قلوبكم، أي يشجِّعكم، ويزيدكم قوّة قلب، وسكون نفس، وثقة بالنصر.

§       تلبيد الرمل الناعم: إن هاء "به" في جملة ﴿...وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾، تعود إلى المطر، على أحد الوجوه، وعلى هذا التقدير يكون معنى الآية: أنّ الله أنزل ذلك المطر ليُلَبِّدَ به رمل كثيب تحت أقدامهم، فتلبدت به أرضهم، وأوحلت أرض عدوهم، (أي إنّ المشركين سيقوا إلى المكان الذي يمكن أن يؤمن النصر لهم من خلال الموقع القتالي، وظهر أن المسلمين في مأزق لاختيارهم موقعاً قتاليّاً حرجاً، ولكن الله تدخّل فأنزل المطر، فانقلبت الصورة والدائرة على المشركين، وهذا فيه معجزة واضحة تؤمن أحد عناصر الانتصار للمؤمنين).




 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عن الموقع

AbdallahSalameh

يحوي هذا الموقع مكتبة المؤلفات الخاصة بالأستاذ الفاضل ( عبد الله مصطفى سلامة ) في المجالات الدينية والإسلامية ومجالي التعليم والإرشاد التربوي بالإضافة لكتيبات الشعر والنثر




تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *