أم الكتاب
فوائد وإعجاز
إعداد
عبد الله سلامة
2019
قال سبحانه وتعالى:
]وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ
ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ [
(الحجر : 87)
قال رسول الله r:
) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ
الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُه (
(رواه البخاري :
4474).
إهداء
إلى من نزل على قلبه
القرآن الكريم ليكون للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً
إلى من بعثه ربُّ
العزة جلَّ جلاله رحمة للعالمين
إلى روح الحبيب
المصطفي r
أهدي هذا العمل
المتواضع
شكر وتقدير
سورة الحمد تلهمنا
الحمد لمن يستحق الحمد، وتوجهنا لشكر من يستحق الشكر.
فالحمد لله سبحانه
وتعالى أولاً وأخيراً، الحمد لله الذي هدانا للإسلام
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله U،
والحمد لله الذي أنار قلوبنا
بالإيمان؛ لنلجأ إليه ونحتمي بجلاله وعظمته، ونرجو رحمته وعفوه
وغفرانه.
والحمد لله الذي
ألهمنا التفكر في آياته وملكوته؛ ليكون لنا زاداً يشدّ أزرنا، ويقوي إيماننا،
ويثبتنا على طريق الحقّ في زمن المؤامرات والمكائد التي تحاك ضدّ الإسلام
والمسلمين من أعداء الله الذين يتربصون ويتحينون كلّ فرصة سانحة للنيل من الإسلام
والمسلمين ...
وأسمى آيات الحمد لله
الذي هدانا لتدبر كتابه الكريم؛ ممّا ألهمني محاولة الخوض في جنبات أمّ الكتاب
تحليلاً واستنباطاً لبعض العبر والدّروس والفوائد والإعجاز الذي لا نهاية له في
أعظم سورة في كتاب الله سبحانه وتعالى. آملاً أن يكون عملي هذا خالصاً لوجهه
الكريم، وابتغاءَ مرضاة الله جلّ في علاه.
ثمّ الصّلاة والسّلام
على من نزل عليه هذا القرآن الكريم؛ لينقذ البشرية من الضّلال إلى الهدى، ومن ظلام
الجاهلية إلى نور الإسلام، فبلغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في
الله خير الجهاد.
ولا يسعني في هذا
المقام إلا أن أترحّم على من غرس فينا حبّ القرآن الكريم، وحبّ العلم والاستزادة
منه والدي الكريم، فلروحه الطاهرة الرحمة من المولى الرحمن الرحيم، ومنا كلّ
العرفان والوفاء والبر والتقدير. وأسأل الله الجليل العظيم أن يتغمده بواسع رحمته،
ويسكنه فسيح جناته بجوار المصطفى e في الفردوس الأعلى من الجنة.
والشكر موصول لكل من
أبدى رأياً أو ملاحظة، أو تصويباً، وأخص بالذكر والتقدير الاخوة الذين ساهموا في
مراجعة هذا العمل المتواضع، الشيخ غانم غانم، وحسن معتوق، وأحمد السوقي، والدكتور
عبد الرحيم منصور، ويوسف الفقهاء، فجزاهم الله كلّ خير، وجعل الله ذلك في ميزان حسناتهم
إنه سميع مجيب.
وأخيراً الشكر لكل من
يقرأ هذا العمل المتواضع، والشكر الخاص لمن يمدّني بتغذية راجعة حول هذا الجهد،
فالكمال لله وحده، وإن كان من توفيق فمن الله سبحانه، وإن كان من تقصير فمن نفسي
ومن الشيطان.
اللهم ألهمنا
الصّواب، ووفقنا لما فيه الخير والصّلاح، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما
علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت السّميع العليم.
وآخر دعوانا أن الحمد
لله ربّ العالمين.
مقدمة:
الحمد لله الذي أنار
قلوب عباده المؤمنين بنور كتابه المبين، وجعل القرآن العظيم شفاء لما في الصُّدور،
وهدى ورحمة للعالمين.
وأزكى الصَّلاة وأَفضل
التسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وقائد الغرّ المحجَّلين، وأشرف خلق الله
أجمعين، محمَّد بن عبد الله النبي العربي الأمين، الذي أُنْزِلَ عليه القرآن
الكريم ليخرج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهداية والرشاد، عليه صلاة
وسلام دائمان متواصلان إلى يوم البعث والنشور، وعلى آله الطيبين الأطهار، وأصحابه
المجاهدين الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا
مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى
ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ
هَادٍى ﴾. (الزمر : 23).
إنَّ القرآن الكريم من
أعظم النّعم التي أنعم الله تعالى على هذه الأمَّة المحمَّديَّة، الذي لا تنقضي
عجائبه، ولا تنتهي فوائده، يظل جديدًا لا يبلى، يزيده التكرار حلاوة، ولا يزيده
مرور الزمن إلا سطوعًا ونضارة، هو بحر لجّيٌّ يدعو من يغوص في أعماقه، لاستخراج
كنوزه الثمينة، واستنباط روائعه وأسراره، ولا يزال عباقرة العلماء يقفون عند
سواحله؛ يرتشفون من معينه الصَّافي ولا يرتوون ... فمن ذا الذي يستطيع أن يحيط
علمًا بكلام ربّ الأرباب جلَّ في علاه، وأن يدرك أسراره، ودقائقه، وإعجازه ؟! ...
وخير شاهد على عظمة هذا القرآن وسموّه، أنَّ الله
تعالى تحدَّى أساطين البلاغة، وممتلكي الفصاحة، وروَّاد البيان من العرب بل من
جميع الخلق، إنسهم وجنّهم أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لن يستطيعوا الإتيان بمثله
ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، فقد تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، فقال سبحانه: ﴿ أَمۡ يَقُولُونَ
ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ
مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * فَإِلَّمۡ
يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن
لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴾ (هود : 13 ، 14).
وتحدَّاهم أن يأتوا بسورة من مثله، قال تعالى: ﴿ وَإِن
كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن
مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ *
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي
وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ﴾ (البقرة : 23 ، 24).
وأكَّد التحدّي بقوله سبحانه: ] قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ
يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (الإسراء : 88).
وقد صدق رسول الله e في وصف القرآن الكريم فقد روى الترمذيّ عن عليّ t قال: سمعت رسول الله e يقول: ] ألا إنها ستكون فتنة[. فقلت: ما المخرج منها يا
رسول الله؟ قال: ]
كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ
مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ
مِنْ جَبَّارٍ، قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ،
أَضَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ
الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ
الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ
الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي
عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ
قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} (الجن: 1)، هُوَ الَّذِي
مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ،
وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " (رواه الترمذي : 2906، والدَّارمي : 3374،
والطبراني في المعجم الكبير : 160). ففي هذا الحديث وصفٌ جامعٌ للقرآن الكريم، مع أن
الوصف يعجز عن إيفاء القرآن العظيم حقه.
ومن المعروف أنّ القرآن الكريم كان يأخذ
العرب بروعة بيانه، فقد كان صناديد العرب وأعتاهم محاربة للرسول e وأشدّهم كيداً له، ونيلاً منه، لا يملكون أنفسهم عن سماع القرآن
الكريم، فقد كان كلّ من أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق يذهب خلسة لسماع رسول
الله e يتلو القرآن الكريم في الليل، والرسول u في بيته لا يعلم
بمكانهم، ولا يعلم أحد منهم بمكان صاحبه، فإذا طلع الفجر انصرفوا، حتى إذا جمعتهم
الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في
نفسه شيئاً، وتكرّر هذا العمل منهم ثلاث ليل، وفي الليلة الثالثة تعاهدوا على عدم
العودة إلى ذلك.
ومن أروع قصص انبهار العرب وفصحائهم أمام
روعة البيان القرآني قصة إسلام عمر بن الخطاب t.
قرر عمر بن الخطاب أن ينتهي من كل ما كان يؤرقه، وأراد أن يخلص
نفسه ويخلص مكة كلها من رسول الله e، فقرر
أن يقوم بما فكر فيه كثير من مشركي قريش قبل ذلك، لكنهم لم يفلحوا فيه، ألا وهو
قتل محمد u ، كان قد دفعه إلى أخذ هذا القرار ما حدث قبل يومين من إهانة شديدة لأبي
جهل في مكة على يد عم رسول الله e حمزة t
والذي أصبح على دين محمد e، وكانت حرارة هذا الدافع نابعة من أن أبا جهل خال عمر بن الخطاب،
رأى عمر أنه قد أصيب في كرامته تمامًا كما أصيب أبو جهل، ورد الاعتبار في هذه
البيئة عادة ما يكون بالسيف.
هنا قرر ابن الخطاب قتل رسول الله e، وقد جاء خاطر هذا القرار
في ذهنه في لحظة، وكانت محاولة التنفيذ مباشرة في اللحظة التالية، رغم أنه لم يعرف
مكان رسول الله e؛ فلم يكن من المشركين أحد
يعرف دار الأرقم بن أبي الأرقم.
خرج عمر بن الخطاب من
بيته متوشحًا سيفه قاصدًا رسول الله e يبحث عنه لقتله، وفي الطريق لقيه نُعَيم
بن عبد الله t وكان من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم،
وكان أيضًا من قبيلة عمر، من بني عدي، وكان من السهل على نعيم أن يقرأ الشر في
قسمات وملامح وجه عمر، فأوقفه نعيم t وقال له: أين تريد يا عمر؟
ولأنه صريح لا يكذب
ولا ينافق ولا يُداهن، لعدم حاجته إلى مثل هذه الصفات، ومن ناحية أخرى فهو لا يعرف
نبأ إسلام نعيم، قال عمر في غاية الصرامة والجدية: أريد محمدًا، هذا الصابئ، الذي
فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسفه آلهتها؛ فأقتله.
ما كان من نعيم t حين سمع مقالة عمر إلا أن أصابه الرعب
والفزع، فقد رأى الخطر العظيم المحدق برسول الله e وليس هناك وقت لتنبيهه.
إزاء ما وجد
نعيم t من عمر، لم يتمالك نفسه في أن يكشف له عن
سر خطير؛ قاصدًا أن يلهيه به عن هذا الإقدام وذاك التفكير، فأماط اللثام عن إسلام
أخته وزوج أخته معًا، كشف له عن إيمان فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها أخت عمر،
وعن إيمان زوجها سعيد بن زيد t، كان من الممكن أن يقتلهما عمر، لكن في المقابل
يستطيع نعيم أن يبلغ الرسول e ليأخذ حذره، ولو كان أخبره بإسلام أحد آخر
فلن يهتم عمر، أما إذا أخبره بإسلام أخته، فهذا شيء كبير جدًّا وطعن جديد في كرامة
عمر، هنا قال نعيم مهددًا:
والله لقد غرّتك نفسك
من نفسك يا عمر؛ أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟!
ثم ألقى بقنبلته
المدوية، فقال: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟
وفي فزعٍ، قال عمر:
أي أهل بيتي؟!
فألقى نعيم ما في
جعبته قائلاً: ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله
أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما.
جنَّ جنون عمر، وقد
نسي ما كان يفكر فيه، وأسرع من توّه إلى عقر داره وبيت أخته الذي اخترقه
محمد e لا يلوي على أحد.
في تلك الأثناء
كان خباب بن الأرت t يجلس مع سعيد بن زيد وزوجته في بيتهما
يعلمهما القرآن الكريم، فقد كان رسول الله e يقسم المسلمين إلى مجموعات، كل مجموعة تتدارس
القرآن فيما بينها، ثم يجتمعون بعد ذلك في لقاء جامع معه e في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وقد كان
خباب t يقوم بدور المعلم لسعيد وزوجته.
وصل عمر إلى بيت
أخته، وقبل دخوله سمع همهمة وأصواتًا غريبة، وبعنفٍ أخذ يطرق الباب وينادي بصوته
الجهوريّ أن افتحوا.
أدرك من بالداخل أن
عمر بالباب، فأسرع خباب t - وكان من الموالي- بالاختفاء في غرفة
داخلية، وقد قال: " لئن نجا سعيد بن زيد وفاطمة بنت الخطاب فلن ينجو خباب ".
وفتح سعيد الباب،
ودخل عمر وهو يحترق من الغضب، لا يسيطر على نفسه والكلمات تتطاير من فمه، والشرر
يقذف من عينيه، ودون استئذان يسأل: ما هذه الهمهمة التي سمعت؟
ردَّا عليه: ما سمعتَ
شيئًا.
قال عمر: بلى، والله
لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه.
ثم ألقى بنفسه على
سعيد يبطش به، هنا تدخلت الزوجة الوفية فاطمة - رضي الله عنها- تدافع عن زوجها،
فوقفت بينه وبين عمر تدفع عمر عنه، وفي لحظة غضب عارمة التفت عمر إلى أخته، ولم
يدرك نفسه إلا وهو يضربها ضربة مؤلمة على وجهها، تفجرت على إثرها الدماء من وجهها.
وإزاء ما حدث وفي
تحدٍّ واضح، وقف سعيد بن زيد t يتحدى عمر ويقول: نعم، قد أسلمنا وآمنا
بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.
وإن تعجب فعجب موقف
أخته فاطمة المرأة الضعيفة، وقد وقفت في تحدٍّ صارخ وأمسكت بوجه أخيها عمر، وهي
تقول له: وقد كان ذلك على رغم أنفك يا عمر.
ذهل عمر، ما هذا الذي
يحدث؟! هل هذه هي أخته؟ ما الذي جرّأها إلى هذه الدرجة؟!
وعلى شدة بأسه وقوة
شكيمته شعر عمر بأنه ضعيف وصغير، لا يستطيع أن يقف أمام هذه المرأة، وفي الوقت
ذاته شعر وكأنها أصبحت جبلاً أشمًّا يقف أمامه، لقد تغيرت الدنيا وهو لا يدري. ورغم ذلك وفي تعبير عن رقة عظيمة في قلبه تختفي وراء هذه الغلظة
الظاهرة، قال عمر: فاستحييت حين رأيت الدماء.
وإذا كان الحياء كله
خير، وإذا كان الحياء لا يأتي إلا بخير، فإن الرجل الذي ليس به خير هو الذي لا
يستحي من رؤية دماء تسيل على وجه امرأة خرجت عن دينه، ووقفت أمامه وتحدته، وبالأخص
في هذه البيئة القبلية الجاهلية، تلك التي كانت تفقد فيها المرأة كثيرًا من
حقوقها.
وفي تنازل كبير
للغاية، يقول عمر: فجلست، ثم قلت: أروني هذا الكتاب. في نظرِهِ أن هذا مطلبٌ عادي. وكانت اللطمة والضربة الثانية الموجعة التي لم يكن يتوقعها على
الإطلاق، حيث قالت له أخته فاطمة: يا أخي، إنك نجسٌ على شركك، وإنه لا يمسها إلا
الطاهر.
وعلى عكس ما كان
يتوقعه بَشَر قام عمر وفي هدوء عجيب، قام ليغتسل.
لا شك أن هناك شيئًا
غريبًا يحدث، شيئًا لا يمكن تفسيره إلا عن طريق قوله تعالى: ] إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ [ (القصص: 56). وهنا قد شاء الله U الهداية لعمر، وشاء الله U الخير له وللمسلمين بل ولأهل الأرض
جميعًا، قام عمر وسط هذه الأجواء ليغتسل في بيت أخته ليصبح طاهرًا فيقرأ الصحيفة.
بعد اغتساله أعطته
فاطمة - رضي الله عنها- الصحيفة يقرؤها، وبلسانه وعقله وقلبه قرأ عمر: بسم الله
الرحمن الرحيم. فقال مُظهِرًا خيرًا عميمًا: أسماء طيبة طاهرة.
ثم قرأ: ] طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ
الْعُلاَ * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ
وَأَخْفَى * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ
الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [ (طه: 1- 8).
تزلزل عمر t، وقد وجد نفسه خاشعًا متصدعًا من خشية الله،
وفي لحظة قد خالط الإيمان فيها قلبه قال عمر: فعظمت في صدري، فقلت: ما أحسن هذا
الكلام! ما أجمله! فكان شأن عمر الساعة قد تبدّل، وكان هذا هو عمر،
أسلم بمعنى الكلمة.
وكانت هذه من أعظم
لحظات البشرية على الإطلاق، لحظة تحول فيها رجل يسجد لصنم ويعذب المؤمنين إلى
عملاق من عمالقة الإيمان، وإلى فاروق فرق الله به بين الحق والباطل، وإلى رجل
يراقب الله في كل حركة وكل سكون، وكل كلمة وكل همسة، ثماني آيات فقط، صنعت
الأسطورة الإسلامية العجيبة عمر.
وحين سمع عمر وهو
يقول: ما أحسن هذا الكلام! ما أجمله! خرج خباب t من مخبئه وقال: يا عمر، والله إني لأرجو أن
يكون الله قد خصك بدعوة نبيه e، فإني سمعته أمس وهو يقول: " اللَّهُمَّ
أَيِّدْ الإِسْلاَمَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ "، فاللهَ اللهَ يا عمر.
عند ذلك قال عمر
مُقِرًّا ومعترفًا برسالة محمد e: فأين رسول الله؟
قال خباب: إنه في دار
الأرقم.
أخذ عمر سيفه فتوشحه،
ثم انطلق من جديد إلى رسول الله e، ولكنه انطلق في هذه المرة بقلب مؤمن، وأمام
دار الأرقم ضرب عمر الباب على رسول الله e وصحابته، فقام رجل من أصحاب رسول
الله e فنظر من خلل الباب فوجد عمر، فرجع فزعًا
إلى رسول الله e فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب
متوشحًا السيف.
كان في بيت الأرقم
آنذاك أربعون صحابيًّا مع رسول الله e، ورغم هذا العدد فقد قام يدافع عن الجميع
ويتصدر هذا الموقف الخطير حمزة بن عبد
المطلب t، الذي لم يخالط الإيمان
قلبه إلا منذ ثلاثة أيام فقط، قام حمزة، فقال في صلابة: " فَأْذَنْ لَهُ،
فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ
شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ ".
فقال رسول الله e: " ائْذَنُوا لَهُ ".
ففتح لعمر t فدخل إلى الدار
المباركة، دار الأرقم بن أبي الأرقم، ثم أدخلوه في حجرة، وقام إليه رسول
الله e فدخل عليه، واقترب
منه، ثم أخذ رسول الله e بمجمع ردائه، ثم جذبه
نحوه جذبة شديدة وقال له في قوة: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن
تنتهي حتى يُنزل الله بك قارعة".
عندئذٍ ردَّ عمر بصوت منخفض: يا رسول الله، جئت لأُومِنَ بالله وبرسوله،
وبما جاء من عند الله.
الله أكبر! انتصار هائل وكبير للدعوة، خاصة بعد دخول حمزة t في دين الله U.
الفرحة في قلب الرسول e لا توصف، وكان أول رد
فعل له أن كبر الله U: الله أكبر! الله أكبر
الذي صنع هذه المعجزة. عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله e أن عمر قد أعلن إسلامه، فدخلوا عليه
يهنئونه ويباركونه جميعًا، وأصبح العدو القديم صديقًا ورفيقًا.
عمر .. فاروق منذ البداية،
فكما ولد حمزة عملاقًا، فإن
عمر أيضًا ولد عملاقًا، ولد عمر فقيهًا، حازمًا، واضحًا، صريحًا، مضحيًّا، بعد
إسلامه مباشرة كانت أول كلمة قالها: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟
قال: "بلى".
قال عمر: ففيمَ الاختفاء؟!
منذ أن أعلن إسلامه وقد حسب
نفسه واحدًا منهم، وقد أخذ يقترح عليهم الاقتراحات، ويفكر كيف يخدم هذا الدين، وما
هو الأنفع والأصلح للدعوة، وكان هذا هو عمر.
كما
أنّ من أبلغ الشهادات على روعة القرآن الكريم شهادة عدو من أعداء الله يصف القرآن
الكريم، وهو الوليد بن المغيرة.
فهذا الوليد بن المغيرة، وهو كافر يظهر العداوة
لرسول الله e، يصف القرآن الكريم وصفاً دقيقاً وصادقاً، يشهد بإدراك
حتى الكفار فضل كلام الله وعظمته، وتميُّزه عن كلام المخلوقين؛ أخرج الحاكم في
المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: إنَّ
الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وهو أحد رؤساء قريش، جاء إلى النبيّ e فقرأ الرَّسول
عليه القرآن. فكأنّه رقّ له، وقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة - يعني محمداً e- فو الله
ما هو بشعر، ولا سحر، ولا بهمز من الجنون، وإنّ قوله لَمِنْ كلام الله.
فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله
لئن صبأ الوليد لتصبونَّ قريش. فلمَّا سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله
أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا
لك مالاً ليعطوكه.
قال: قد علمت قريش أنّي من أكثرها مالاً.
قال: فقل فيه قولاً يبلغ قريشاً أنَّك تنكر له.
فقال: وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر
منِّي، لا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ. والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئاً
من هذا، والله إنَّ لقوله الذي يقول لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّه لمثمرٌ
أعلاه، مغدقٌ أسفله، وإنَّه ليحطم ما تحته، وإنَّه ليعلو وما يعلى عليه.
فقال أبو جهل: والله ما يرضى عنك قومك حتى تقول فيه
قولاً.
قال: فدعني أفكر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، فخرج
على قومه بهذا القول الآثم، فأنزل الله فيه قوله تعالى: ]إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ
قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ
وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ
يُؤْثَرُ[. )المدَّثر : 18 - 24).
والقصص على روعة بيان القرآن الكريم عديدة
...
وهذه الدراسة القرآنيَّة بعنوان ( أمّ الكتاب
)، وهو اسمٌ من أسماء سورة الفاتحة، وبما أنّ سورة الفاتحة تسمّى " أمّ
الكتاب " وتسمّى " أمّ القرآن " وهي فاتحة الكتاب، فيجدر بنا أن
نستعرض بعض فضائل القرآن الكريم، وفضل تلاوته، وأجر تعلُّم القرآن الكريم وتعليمه،
وثواب ذلك ... فإنّ ذلك ينطبق على القرآن الكريم بما فيه الفاتحة .
ثمَّ نتبع ذلك بفضائل خاصة بسورة الفاتحة،
والفوائد المستنبطة منها، والإعجاز البيانيّ المستفاد من بلاغة آياتها، ونختم
بالإعجاز العدديِّ المبهر للنفوس في هذه السُّورة القصيرة في ألفاظها، العظيمة في
فوائدها وإعجازها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق